الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

مقال عام

لا يكاد يوجد مجتمع في عالم اليوم،دون أن تكون المخترعات التكنولوجية قد استوطنت بأيدي مواطنيه بهذه النسبة أو تلك،تبعاً لدرجة تطوره الاقتصادي والاجتماعي.إلا أن التعامل مع التكنولوجيا شيء،وإقامة صلة تفاعلية واعية بالعلم شيء آخر،ذلك أن من الضروري التمييز بين العلم والنشاط العلمي.فالعلم مفاهيم ونظريات وقوانين لها منطقها المحايد،أما النشاط العلمي فهو توظيف هذه المفاهيم والنظريات والقوانين من أجل الوصول الى غايات محددة لها مضمونها القيمي في ميادين الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا.وعليه،فإما أن يكون هذا النشاط العلمي إنسانياً ينصر الكرامة البشرية،وإما أن يكون أنانياً عدمياً يستهدف تكديس الأرباح على حساب تهميش العقل البشري وإفراغه من المشروع الكوني الكامن فيه.


وأمام هذه الإشكالية،أي جدلية العلاقة بين العلم بوصفه فعالية عقلية نظرية محايدة،وبين النشاط العلمي بوصفه ترجمة المكتشفات العلمية الى إجراءات تكنولوجية منحازة باتجاه قيمي ما،تتجلى مدى أهمية أن يمتلك الإنسان المعاصر وعياً ثاقباً بهذه الإشكالية ذات الطابع السوسيولوجي–السيكولوجي العميق.فالاغتراب النفسي،وضبابية المعنى من الحياة،وتدهور قيمة الحياة البشرية،واللهاث العصابي وراء السلع الكمالية،وتغليب علاقة الإنسان بالآلة على علاقة الإنسان بالإنسان،كلها مظاهر تدني الوعي بهذه الإشكالية المتفاقمة.وإذا كان الإنسان في المجتمعات الصناعية قد أوغل بعيداً في هذه المظاهر نتيجة غلبة الطابع الرأسمالي الصارم على الحياة الاجتماعية اليومية للناس في تلك المجتمعات،فإن إنسان المجتمعات النامية (ومنها مجتمعنا العراقي)،وبالرغم من تخلفه التكنولوجي الممتزج بالبؤس الاجتماعي والاستبداد السياسي،إلا أنه لم يوغل بعيداً في ذلك النوع من الفراغ الروحي الذي تركه تجويف التكنولوجيا للجوهر الإنساني في المجتمعات الصناعية،مكتفياً بقحط روحي من نوع آخر ناجم عن ظروف الإحباط والعنف والاستغلال التي أشاعتها العولمة الممنهجة لرأس المال في حياته منذ عصر الثورة الصناعية في القرن السابع عشر وحتى اليوم.

ومن هنا،وضمن إطارنا العراقي،يجدر استثمار هذه الميزة المتمثلة بعدم خضوع إنساننا كلياً لسحر التكنولوجيا،والعمل على التبشير بـ(ثقافة علمية إنسانية) تتيح للعقل العراقي الانفتاح الواعي على مكتشفات العلم ومفاهيمه ومدارسه واختراعاته المتلاحقة،دون أن يستغرق في علاقة اغترابية ذات آلية تبعية للمنتجات التكنولوجية؛بمعنى السعي لصياغة (وعي اجتماعي) يحترم قيمة العلم والبحث العلمي،ويتحسس جمالية التفكير العلمي من جهة،ويكون مدركاً وذا دراية بالتأثيرات الإيجابية والسلبية التي يمكن أن تتركها المنتجات التكنولوجية في حياة الفرد العراقي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية من جهة أخرى،بما يجعله مؤهلاً لبناء شخصية متفردة ذات طابع وطني وإنساني متميز،وسط عالم متناقض صار ينادي على نحو متزايد بحقوق الإنسان،في الوقت الذي يعمل فيه بالضد من تفتح فردانيته على أسس العدل والسلام والتسامح والتمتع النبيل بمباهج الحياة وجمالياتها الكامنة والظاهرة.


على هدي هذه المباديء والرؤى،نتطلع لتأصيل أنسنة العلم في بلادنا،التي عانت ما يكفي من ثقافة العنف والتجهيل والإقصاء،مستندين في ذلك الى مجموعة من الأهداف الفكرية والوسائل الإجرائية لتنفيذها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الساده الزوار نرجوا ترك رد للموقع